قراءة فى ديوان اختبار الحاسة أو مجمل السرد | محمد الحرز
بهدوء الواثق يتسلل الشعر إلى قصيدة الشاعر غسان الخنيزي وكأنه يعلم أن ثمة كلمات تنتظره على العتبات وعند الدرج وفي الصالة أو بين الممرات ، تنتظر عسل المخيلة المملوء به جراره، تنتظر ما يفيض عليها به إلى آخر قطرة من طعمه الشهي . ثم لا يبقى انتظ ار بعدها ولا قبلها ، الامتلاء هو وحده الذي يتردد بينهما ، هو ما تقوله القصيدة وما لا تقوله في نفس الوقت ، هو ما لا تراه أثناء اليقظة ، وما تراه أثناء الوهم. خيط العسل الشفيف الذي يتركه الشعر خلفه لا يرى من فرط لمعانه ، ولا يترك له أثرا على التراب من فرط صفائه . يدخل الشعر ويخرج من قصيدته كأنه يدخل صومعته اليومية حيث يتوحد فيها مع نفسه ويناجيها بصوت خافت ، لا يسمع فيها سوى نفسه ، هو الداخل الخارج والخارج الداخل من غير تمايز أو تفارق . وكأني بغسان ماسكا بيد قصيدته ، وباليد الأخرى رافعا قبعة التخفي راميا بها فوق رأسه ، مغطيا بها جزءا من ملامح وجهه؛ كي لا يقال : هذا هو الشاعر ، وهذي هي قصيدته . تماما كما لو أن الشعر لا يريد الكشف عن هويته ، لا يريد الكشف عن جوهره الغامض إذا ما جاءت القصيدة سافرة عن نفسها ، معلنة عن حضورها بقوة أمامه . طقوس الحضور والغيا...